القلم للثقافة والفنون

( قَلمُنا ... ليس ككلِ الأقلامْ ، قَلمُنا ينطقُ ثقافةً وينزفُ صدقاً ويشجع المواهبَ ليخلقَ الإبداعْ )


    تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    شاطر
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في الأربعاء ديسمبر 08, 2010 8:28 pm

    الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006










    عدل سابقا من قبل Admin في الثلاثاء يوليو 24, 2012 4:13 pm عدل 1 مرات


    _________________
    " />

    سيبقى العراق في حدقات العيون

    ميديا
    عضو فضي
    عضو فضي

    عدد المساهمات : 139
    نقاط : 2679
    السٌّمعَة : 15
    تاريخ التسجيل : 14/01/2011

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف ميديا في السبت سبتمبر 03, 2011 10:02 am

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006










    قصص رائعه واقعية باسلوب جميل شدتني للقراءة

    نور القلوب
    عضو فضي
    عضو فضي

    عدد المساهمات : 117
    نقاط : 2667
    السٌّمعَة : 7
    تاريخ التسجيل : 29/12/2010
    الموقع : مشرفة ديوان الشاعرة ندى الربيعي ( نور القلوب )

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف نور القلوب في الثلاثاء أكتوبر 11, 2011 3:18 pm

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006










    من روائع ما قرأت
    avatar
    صباح الجميلي
    مدير عام تنفيذي
    مدير عام تنفيذي

    عدد المساهمات : 3692
    نقاط : 12189
    السٌّمعَة : 370
    تاريخ التسجيل : 07/04/2011
    80
    الموقع : المربي الفاضل /مدير عام تنفيذي /كبير مبدعي القلم / القلم الذهبي / القلم الماسي / وسام الابداع

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف صباح الجميلي في الثلاثاء أكتوبر 11, 2011 6:39 pm

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    احسنت أخي العزيز رائع جدا ما كتبت ... زلك مني أحلى الأمنيات
    صباح الجميلي
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في السبت نوفمبر 19, 2011 6:05 pm

    ميديا كتب:
    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006










    قصص رائعه واقعية باسلوب جميل شدتني للقراءة


    شكرا لمرورك الحسن الجميل
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في السبت نوفمبر 19, 2011 6:07 pm

    نور القلوب كتب:
    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006










    من روائع ما قرأت

    الاروع هو مروركِ سيدتي
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في السبت نوفمبر 19, 2011 6:09 pm

    صباح الجميلي كتب:
    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    احسنت أخي العزيز رائع جدا ما كتبت ... زلك مني أحلى الأمنيات
    صباح الجميلي

    الدكتور صباح الجميلي
    لك مني كل الود والتقدير لهذا المرور العطر

    عازف العود
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    عدد المساهمات : 94
    نقاط : 2515
    السٌّمعَة : 4
    تاريخ التسجيل : 01/05/2011
    67

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف عازف العود في الخميس نوفمبر 24, 2011 6:39 pm

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    ما اروعها من قصص سيدي الكريم ابدعت بحق
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في السبت نوفمبر 26, 2011 10:49 am

    عازف العود كتب:
    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    ما اروعها من قصص سيدي الكريم ابدعت بحق

    مرورك هو الاروع اخي الكريم

    نور القلوب
    عضو فضي
    عضو فضي

    عدد المساهمات : 117
    نقاط : 2667
    السٌّمعَة : 7
    تاريخ التسجيل : 29/12/2010
    الموقع : مشرفة ديوان الشاعرة ندى الربيعي ( نور القلوب )

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف نور القلوب في الثلاثاء يناير 03, 2012 6:21 pm

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    كم مبدع انت وانت تلامس الجرح العراقي بحروفك
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في الخميس يناير 12, 2012 11:49 am

    نور القلوب كتب:
    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    كم مبدع انت وانت تلامس الجرح العراقي بحروفك
    [color=olive]
    شكرا للمرور الجميل

    سعاد
    عضو فضي
    عضو فضي

    عدد المساهمات : 108
    نقاط : 2602
    السٌّمعَة : 9
    تاريخ التسجيل : 21/02/2011

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف سعاد في الأحد فبراير 12, 2012 11:02 pm

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    رائع جدا وممتع
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في الخميس فبراير 16, 2012 3:39 pm

    سعاد كتب:
    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    رائع جدا وممتع

    شكرا للمرور الرائع


    _________________
    " />

    سيبقى العراق في حدقات العيون

    ندى
    عضو فضي
    عضو فضي

    عدد المساهمات : 112
    نقاط : 2634
    السٌّمعَة : 9
    تاريخ التسجيل : 24/01/2011

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف ندى في الأربعاء مايو 30, 2012 12:01 pm

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    جميلة ورائعة جدا
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في الخميس مايو 31, 2012 9:10 am

    ندى كتب:
    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    جميلة ورائعة جدا

    الاروع مروركِ الكريم


    _________________
    " />

    سيبقى العراق في حدقات العيون

    عاشق الكمان
    عضو فضي
    عضو فضي

    عدد المساهمات : 102
    نقاط : 2841
    السٌّمعَة : 17
    تاريخ التسجيل : 29/06/2010
    31

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف عاشق الكمان في الجمعة يونيو 15, 2012 11:46 am

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    رائعة جدا
    avatar
    مؤسس ومدير عام المنتدى
    Admin

    عدد المساهمات : 3922
    نقاط : 15999
    السٌّمعَة : 589
    تاريخ التسجيل : 02/03/2010
    61
    الموقع : مدير عام المنتدى / القلم الذهبي / القلم الماسي

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف مؤسس ومدير عام المنتدى في السبت يونيو 16, 2012 3:45 pm

    عاشق الكمان كتب:
    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار وصافرات سيارات الاسعاف تارةً وصوت صراخ المصابين تارةً أخرى . وما أن تتوغل الى داخل المدينة فأنكَ لاتسمع ألا شيئين أثنين أما صوت بكاء النسوة والأطفال وصراخهم الذي يمزق الأفئدة أو تسمع صوت الرجال يتناخون لأنقاذ ما يمكن انقاذه وتعلوا أصواتهم صرخات الله أكبر ... الله أكبر ... على الظالمين .
    وفي زحمة التدافع والخوف تقودكَ ساقيكَ الى حيث لاتدري فلا هدف لك سوى النجاة وأين النجاة أمام طاغوت لا يعرف الرحمة وينفث حممه النارية القاتلة في أرجاء المكان . حتى أصبحَ الأنسان في مدينتي بلا هدف بل بلا وعي يقوده اللا شعور الى متاهات قد يجد فيها النجاة أو الموت من حيث لا يدري ، وعلى مقربة من موقع الانفجار لأحد صواريخ الغدر والعدوان جلسَ طفل في الرابعة عشر من عمره مسمراً في مكانه والدموع تسيل من عينيه كأنها مجرى ماء تشعر أنه يعيش في غيبوبة الموقف أو في دوامة الرعب والخوف ولا يستطيع أن يبكي أو أن يصدر صوتاً ، نظراته معلقة بأتجاه موقع الأنفجار حيث الانقاض المتراكمة التي قبلَ قليل من الأنفجار كانت تسمى داراً ، الطفل يرتعش من شدة الخوف كأنه غصن شجرة في مهب الريح ، الطفل لا صوت له يُسمَع ، ولا شيء عنده ينطق الأعين تدمع . في زحمة التدافع والخوف والرعب شاهدَ الطفل رجُل طاعن بالسن يحمل باكورته ( عصا يتوكأ عليها ) بيده ويمشي بهدوء ليسَ بسبب عدم خشيته من الأنفجارات والموت وانما بسبب كبر سنه وتقدمه بالعمر فتكاد ساقيه لا تحملانه أكثر من ذلك شاهدَ هذا الرجل الطفل بهذه الوضعية الحزينة المؤلمة وتقدمَ الشيخ بأتجاهه بخطى وئيدة حتى أصبحَ على مقربة منه .

    - الشيخ : ماذا بكَ يا ولدي ، لاتخف لحظات وينجلي الموقف .
    الطفل صامت لايجيب رغمَ الحاح الشيخ له وهل يستطيع الأجابة .
    - الشيخ : يا بنيَ... يابنيَ ما الذي أصابكَ .
    الطفل لاينطق بكلام بل أومأ برأسه بأتجاه الدار المحطمة المتهدمة بفعل الصواريخ ودموعه تنهمر .
    تقدمَ الشيخ بأتجاه الطفل وجلسَ قربه ، وضعَ يده المرتجفة على خد الطفل وبدأت كفه تداعب خد الطفل بضربات حنينة رقيقة عسى الطفل يفيق من صدمته أستمر الشيخ بحركاته هذه ولكن بضربات أقوى قليلاً صرخَ الطفل هذه المرة بصوتٍ عالٍ انهزمت أمامه كل أصوات الأنفجارات وهو يردد عائلتي ودارنا وهو يشير الى موقع الأنفجار .
    - الشيخ : ياولدي سنبحث لكَ عن ناجين من الموت ، تناخى الرجال تلبيةً لنداء الشيخ يبحثون ، جميع العائلة قد أستشهدوا في هذه الدار ولم ينجُ الا هذا الطفل من الموت المتعطش للدماء .
    - الطفل : ياجداه لا أملَ بوجود ناجين فجميع عائلتي قد قتلوا وتحطمَ الدار .


    - الشيخ : نحنُ عائلتكَ التي ستحتوي ألآمك وتقوم برعايتك .
    - الطفل : وداري يا جداه .
    - الشيخ : أنَ كل دور المدينة هيَ دارك .
    أطرقَ الطفل رأسه الى الأرض وصرخَ بأعلى صوته مرة اخرى أن داري هيَ داري وسأعيد بنائها من حطام الطابوق وسأستذكر كل عائلتي في جميع أركان الدار .
    - الشيخ : معكَ جميعاً نبني الدار ونحقق لكَ الهدف .
    - الطفل : أبداً بناء الدار ليسَ هدفي ، أن هدفي بعد البناء هو أخراج المحتلين ومقاتلتهم ثأراً لجميع الشهداء وتحريراً لعراق المجد والأبطال .

    بكى جميع الموجودين من الرجال وخروا سجداً أمام هذا الطفل وهم يرددون نحنُ معكَ لتحرير العراق وتحقيق هدفكَ .


    2006









    رائعة جدا

    الاروع مرورك


    _________________
    " />

    سيبقى العراق في حدقات العيون
    avatar
    ابو الامجاد
    عضو فضي
    عضو فضي

    عدد المساهمات : 114
    نقاط : 2852
    السٌّمعَة : 10
    تاريخ التسجيل : 21/06/2010
    47

    رد: تكملة قصص من الزمن الصعب / الجزء الثالث

    مُساهمة من طرف ابو الامجاد في الخميس يونيو 21, 2012 10:24 am

    Admin كتب:الجهــــاد

    قضت سنين عمرها الاربعين تعيـــــــــش فـــــــــــي القرى والارياف حيث ولادتها وزواجها ، امرأة عربيــــــــــة اكتسبت اخلاقيلت وعادات وتقاليد القرية التي عاشت فيهــــا حيث قيم الشرف والنخوة والبطولة ، امتلكـــــت مــــــــــــــن الجمــال الشيء الكثير يكاد يحسدها نساء القرية قبل رجالها عليه . وكانت معروفة لديهم بخلقها الرفيع وتعاونها مـــــــع الجميع ، ذات يوم حملت سيف جدها لابيها وخرجت خــــارج حدود دارها وقفت متكئة على السيف دون حراك تنظر الــــى الأفق بلهفة لاتوصف ودموع عينيها تجري على الخدين . ذهبت بمخيلتها بعيداً جداً الى حيث معارك الاســـــــــــــــــلام والفتوحات ودور السيف فيها وكان القتــــــال لايجـــــري الا بعد الحوار والمجادلة . ومرت سريعاً مع الأيام الى حيث أيام جدها وسيفه الذي شاركَ في الغزوات العشــــــائرية آنذاك آهٍ أيها السيف كم انتَ عزيز في ذكراك وذاكرتك قالتها بمرارة . ومرَّ بها شريط الأيام سريعاً الى حيث احتلال العــــــــــــــراق ومحاولة تدمير الاسلام فيه ونهب ثرواته وتقتيل شعبه . كانت دموعها لا تزال تجري على خديها كــالجمر وأشـــــــــدُ حرارة منه .
    كيفَ لا وهيَ ترى الأمور المأساوية ، أمامَ ناظريها كل يوم ، رجال ونساء وأطفال تقتل ، اجساد قطعت أشلاء تناثـــــرت ، دماء سفكت في كل مكان ، قوات الاحتلال تقتــل دون رادع ، والسيارات المفخخة تقتل دونَ استثناء لا تفرق بين عراقــي وآخر . قوات الدولة تبيد المدن بل تلتهمها الواحدة بعـــــــــد الاخرى بحجة الارهاب كأنها لا تريد لأحد ان يقاوم المحتــــل وعملائه ، وبعض اجهزة الدولة تقتاد الرجال فجراً مـــــــــن دورهم الى اماكن سرية يعذبون ويقتلون وعلى قارعــــــــــة الطريق البعيدة مجهولي الهوية يرمون. لا شيء أمامها غير الدم المنتشر في كل مكان .
    وهي على اتكائتها هذه والدموع تجري لا تدري بل لا تشعــر بما حولها كأنها في غيبوبة . وقفَ أمامها المارة من قريتهـا ينظرون اليها بحيرة كبيرة .
    - قال أحدهم : يبدوا أنها نائمة وقوفاً وهي متكئة على السيف .
    - قال الآخر : بل داهمَ قلبها شيءٌ خطير جعلها تتحجـــــر في مكانها والدموع تجري .
    - قالت امرأة من الحاضرين : لا أن أم محمد ليس كمــــــا تصفون أن مابها والله لشيءٌ عظيم وسترون .
    وامام هذه الضجة من أهل القرية عادت الى وعيها ووقفـــت بأستقامتها المعروفة وحملت السيف بيدها وهي تنظر الـــــى الجميع .
    - قالت ام محمد بمرارة وحزن وألم ... ما بكم الـــــــــى مَ تنظرون أليسَ فيكم رجل رشيد يخبركم بحقيقة الأمور .
    - قال الجميع : مابكِ يا أم محمد أن دموعكِ شَلت عندنــــا التفكير .
    قالت ام محمد : أوَ بعد كل الذي جرى تسألون ... عراقنـــا مُحتَل اسلامنا مهدد ، شعبنا يقتل ، مدننا تستباح ، وانتـــم كالاصنام واقفون .
    مسكت قبضة السيف بيدها وسحبته الى الاعلى ودموعهـــــا تجري ، احملو سيوفكم ... احملوا سلاحكم وقاتلوا المحتـــــل وأعوانه . ثم أجهشت بالبكاء وهيَّ تلوح بالسيف وتقول الـى الجهاد ياخوتي الى الجهاد .
    2005
    حرب تحرير

    رجل يسكن العاصمة بغداد وفي أحد أحيائهــا الجميلة الاصيلة والعريقة عراقة ناسها الطيبين . يحيـط بها نهر دجلة الخالد من الشال والغرب مما أكسبهــــــــا جمالية رائعة . جَمَعَ ثروته بجهده وتعبه حيث أفنـــــــى أكثر سنين عمره يعمل بلا هوادة . هو ليسَ بالغني الــى حد التخمة ولا بالفقير الى حد البؤس . كان كريمــــــــــاً مضيافاً يعطي المحتاجين بسخاء لايكاد مضيفه يخـلـــوا يوماً من الضيوف من أقاربه وأصدقائه وجيرانه ، كــان يستقبلهم والعباءة العربية المطرزة بالكلبدون علــــــــى كتفيه يستقبلهم بأبتسامته الجميلة ويكثر الترحيب بهـــم ويطلق نكاته بأستمرار ليرسم السعادة على وجـــــــــوه ضيوفه ولينسيهم أنهم ضيوفه بل أصحاب دار .
    كانَ يستمع اليهم بأصغاء واضح ويقدم المشورة لمــــن يحتاج اليها ويمد يد العون لمن يحتاج اليه .
    وبعدَ احتلال العراق وسقوط العاصمة تغير حاله كثيراً ، كان يجلس في مضيفه مطأطأ الرأس والحزن والبــؤس واضح على محياه وفارقت الابتسامة عيناه وشـــــــفتاه وغابت النكات عن لسانه وقلَ ترحيبه بضيوفه ، كـــــانَ يعيش حالة من الانهيار والاحباط والانكسار النفــــــسي ولم يعد للعبائة العربية مكان على كتفيه كان من يـزوره يشعر أنه زائر ثقيل على صاحب الدار .
    بدأ زواره ينظرون الى بعضهم وهم يتسائلون فــــــــــي سرهم ما الذي أصابَ الرجل ، أنه واهن الجسد ، دائـــم التفكير ، مكفهر الوجه ، لم يعد أبا عمار كما عرفنـــــاه والفناه في السابق 0 لم يحتمل هذه الصورة المأساويـة أحد الضيوف وقررَ كسر هذا الصمت .
    - قال َ أبو محمد : ما بكَ يا أبا عمار هل مريــــــــض فنستدعي لكَ الطبيب . نظرَ اليه بطرف عينيه وهو مطأطأ الـرأس دونَ أن يجيب بكلمة .
    - قالَ أبو محمد : هل سرقت تجارتكَ ونهبت محلاتـكَ بسبب الانفلات الأمني ، نحنُ مستعدون لمد يـــــــد العون لكَ لتمكنكَ من استعادة تجارتكَ وعملـــــــــكَ وهذا جزء من تسديد الدين لكَ الذي في رقابنا ، رفعَ أبو عمار رأسه قليلاً ونظرَ الى ضيوفه نظــرةَ شعروا فيها الألم والحزن وعدم الرضى على مـــــا قالوا ، وعادَ يطأطأ رأسه من جديد . بدأ الضيــوف ينظرون الى بعض ويتهامسون فيما بينهم لعلهــــم يجدون مخرجاً لهذا المجلس الذي ضاقت بـــــــــــه الصدور . وقطعَ تهامسهم أبو عمار حينَ أطلــــــقَ أنين يتفجر منه الصخر . ثمَ رفعَ رأســــــه أمــــــامَ ضيوفه والحزن لا يكاد يفارق وجهه .
    - قالَ أبو عمار : أنا لم أخسر تجارتي ولم تنهــــــــب محلاتي قالها بصوت خافت 0 أنتبه ضيوفه الى كلامه وهم حيرى اذاً ما بكَ أيهــــــا الحبيب .
    اردفَ قائلاً أنا فقدتُ حلمي وخسرتُ وطني وأخشـــى على الاسلام وديني مما سيأتي ، بدأوا بأحتـــــــــــلال العراق وتدميره ليدمروا الامة العربية والاسلام فينا ، ماذا سنقول بعدَ أعوام لأبنائنا أفي زماننا أحتـــــــــــلَ العراق وكيفَ الخروج ؟
    - قالَ أحد الحاضرين : حمداً لله يا أبا عمار غمـــــــة عابرة وستزول .
    قالَ أبو عمار : غمة لا تزول ونحنُ هنا قاعـــــــــدون ، أجمعوا شتاتَ قوتكم ووحدوا صفوفكم وأعدوا لقتــــــال المحتل ما تستطيعون ، لتبدأ بعون الله حرب التحرير ... لتبدأ حرب التحرير .

    2005











    -








    الفـــــراق

    سمراء الوجه معتدلة الطول رشيقة الجســـم ذاتَ قوام جميل هادئة الطبع تكاد لاتسمع صوتها حيـــنَ تتكلم ، اذا تكلمت كانَ همساً واذا استمعت اليكَ كـــــــانَ رفقاً . ألا أنها غير محظوظة في حياتها رغمَ أنهــــــــــا متعلمة وحاصلة على شهادة مرموقة . تزوجت مـــــــن رجل وأنجبت له طفلان كأنهما الورود في حديقة البرائة والطفولة .
    مرضَ زوجها بمرض شديد الخطورة رغـــــم ذلك لـــــم تفترق عنه بل قدمت له يد الرحمة تسهر عليه الليــــــل الطويل وتشرف على علاجه رغمَ متاعب الوظيفـــــــــة وأعمال البيت و الأطفال . كلما اشتدَ عليه المرض كانت له المعالج المشافي وكان يعاملها في تلك الظــــــــروف بلطف . وما أن يتجاوز نكسته تلك ينقلب عليها وبـــدلاً من شكرها تقديراً وعرفاناً لجهودها كونها زوجتـــــــــه وأدت واجبها اتجاهه بدلاً من ذلك كانَ يعاملها بمنتهـــى القسوة ضرباً أو تجريحاً بكرامتها أو طرد من المنــــزل في ساعات متأخرة من الليل لا لشيء يستــــــحق ذلك ، وأنما ارضاءاً لرغبته المريضة كما يبدو ، كانَ يشــــعر بالنقص بسبب مرضه الخطير ذلك .
    - قالت له يوماً لِمَ تعاملني هكذا ... وبهذه القسوة .
    نظرَ اليها نظرة استهجان دونَ أن يرد عليها .
    وتكررَ المشهد تباعاً كلما أصيبَ بنكسة صحية ومعَ ذلك كانت تتعامل معه بأصلها الطيب وأخلاقها الراقية مــــن أجل أن تصونَ بيت الزوجية . وترعى زوجها وتربــــي طفليها تحت سقف الأبوة والأمومة معاً . ولتكــــــــــرار سلوكه المشين معها بشكل مستمر بعد كل نكسة صحية يتعافى منها بفضل رعايتها له . لم تتحمل تلك الزوجـــة تعامل زوجها معها وخاصةً موضوع طردها من المنزل ليلاً وفي هذه الظروف الأمنية الخطيرة التي يمر بهـــــا البلد .
    - قالت له كيفَ أخرج في هذه الساعة المتأخرة مـــن الليل ألا تخشى عليَّ وتخاف على شرفك يا رجل .
    - قالَ : اخرجي من داري اخرجي لا يهمنـــــــــــي ما سيحدث .
    تعجبت من قولهِ هذا ، الى هذا المســــــــــتوى مــــن الأنحطاط وصلَ زوجي ، لا.. لابقاء لي معه بعدَ اليوم ، أتصلت هاتفياً بأخوتها باكية طلبت منهم الحظــــور اليها كي تغادر بيت الزوجية بأمان . جاءوها مسرعين ، حملت حقائبها عائدة الى بيــــــت أبيها مع طفليها ، طلبت الطلاق لعدم حرصه عليهــــا وللأذية التي أصابتها من تعامله وكان قرارها هــــــذا قطعياً ونهائياً .
    عاشت في بيت والدها مرتاحة الضمير مطمئنة البـــــال ومطمئنة على مستقبلها ومستقبل أولادها . فرحـــــــــة برعاية الأب وحنان العائلة في هذا الظرف الصعـــــب ، مرددة هذا فراق مع زوجي هذا الفراق .
    2006

    حطـام امرأة

    امرأة تجاوزت الاربعين بقليل من السنين سمراء الوجه معتدلة الطول ذاتَ قوام مقبول يشع من وجهها سحر يضفي عليها جمالاً روحياً لا يوصف ، في مقتبل عمرها زوجت لابن عمها عنوة وهذا هو واقع العوائل المتعصبة ، أمتثلت لأوامر أهلها على مضض بعد أخذ وعطاء في حوار لايجدي نفعاً ، كان أبن عمها شاب وسيم أبيض الوجه ذو حمرة هادىء الطبع هكذا يوحي لمن يراه ، أما فيَ حقيقته فهو عكس ذلك لا تعرف الابتسامة طريقها الى وجهه .
    وتمر السنين سراعاً فتنجب منه البنين والبنات ورغم أنها موظفة في أحدى دوائر الدولة لكنها وفقت في تربية أبنائها وتنشأتهم النشأة الصحيحة ، زوَّجت ابنتها الكبيرة وهي في ريعان الشباب - قالت كوثر : آه كم يمر قطار العمر سريعاً ماهيَ الا أشهر وأصبح جدة وأنا في هذا العمر .
    كانت هذه المرأة غير سعيدة في حياتها الزوجية رغــــم أنها قدمت الشيء الكثير لأبن عمها وزوجها الذي كــان يعمل في أجر يومه وفي عمل غير مستمر كانت تقــــوم بتلبية احتياجات الاسرة من راتبها ومن دعم أهلهــــــــا كونهم ميسوري الحال ، استطاعت هذه الزوجــــــــة أن تشتري داراً يضم عائلتها ، الا أن زوجها كان دائــــــــم التقصير معها في الجوانب المادية والمعنوية وكـــــــان يبخل عليها بالجوانب العاطفية أيضاً . ويتعمــــد أثـــارة المشاكل بشكل مستمر وينغص حياة زوجته وأبنائـــــــه وكانوا يعيشون في دوامة من المشاكل لأبسط الاســباب كأنه يفتعلها افتعالاً ، نعم كان يعاني من عسر ذات اليــد ، لكنه بالمقابل كان يمكنه أن يقدم لزوجته الابتسامـــــة التي تريحها ويخفف عنها همومها وكان بأمكانــــــه أن يمنحها الحب والحنان والعواطف الجياشة لكي يشعرها بوجوده ويعطيها حقوقها الزوجية ، لم يقدم لها ذلــــــك كأنه فرضت عليه زوجته بالقوة هو الآخر . ويوم بعــــد يوم تتعقد الأمور بينهما وتصل الى حد القطيعــــــــــــــة والمضاجعة على انفراد لأشهر عدة ويتكرر هذا الحـــال لأكثر من مرة في العام الواحد ، كيف ستستقيم الحيــــاة الزوجية أذن . كوثر تحتاج الى الحب والحنان والعاطفة والمشاعر الرقيقة الحساسة ، وزوجها فاضل يحتـــــاج الى امرأة يقتنع بها لاتفرض عليه فرضاً . فما الحل الى ذلك ، وهل من سبيل ، وبعد كل تلك السنين الطويلة من الزواج . كانت تعيش كوثر حالة من القلق المســـــــتمر والانكسار النفسي المتواصل مما ســـــــــــبب لها الارق والسهر وبدأت تتناول أقراص الدواء المهدئة والمنومة لكي تتخلص من آلامها اليومية . وكانت تذهب الــــــــى دائرتها بشكل منتظم ، مبتئسة حزينة ، هناك أُعجبَ بها أحد زملائها أيَ اعجاب كانَ يراقب سـلوكها ويتطلع الى مصارحتها بحبه دون جدوى ، عشر سنين تمر وهـــــو على ذاك الحال يتألم لأ لمها ويعيش عذاب حبه الغيـــــر مصرح به . لم تكن ظروفه الزوجية أفضل حالاً منهــا ، اذا كانت هي حطام امرأة كان هو أنقاض رجل لم يبقـــى عنده سوى قلب ينبض بالحب كأنه يسع الدنيا بحنانه وعطفه ورعايته لها ولغيرها من زملائه وزميلاته المحتاجين لذلك . قرر ذات يوم مفاتحتها .

    - واثق : يا كوثر لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك ، فقدت قدرتي على التحمل وأنا أحمل سراً أريد أن أبوحَ بهِ لكِ .
    - كوثر : قُل ما عندك يارجل دونَ تردد .
    - واثق : أنا أُحبكِ حباً لامثيل له عشر سنوات خلت وأنا أُحبكِ واليوم أصارحكِ به .
    - كوثر : ماذا بكَ أتحب امرأة متزوجة وأنتَ متزوج أيضاً .
    رفضته بشدة لكنه لم ييأس وعاود مفاتحتها المرة تلو الاخرى كان يأمل أن يحقق حلم حياته معها .

    - واثق : كيفَ يقولون أن القلب يسكن بين الضلوع وقلبي المهجور تائهاً يسير بين الدروب .
    - كوثر : لمَ يتيه قلبك ، أنتَ في القلب دائماً لقد تعانق قلبينا أنا أشعر بحبكَ لي وكنت أتمنى أن القاكَ قبل عشرين عاماً لتكونَ زوجي أما الآن فما الاطار الشرعي لحبنا هذا .



    سمعَ حديثها هذا وكأنه أيقنَ الحقيقة الكاملة أمامه ماهوَ الاطار الشرعي ، هو يحبها وهيَ اعترفت بحبها له بل أرتمت في حظنه لكي تشعر بدفىء مشاعره وأحاسيسه وليخفف عنها وحشة مابها من هموم ، ثمَ دفعته بعيداً كأنها شعرت بخطأ ما فعلت .
    وبعدَ حوارات طويلة يومية بين الموافقة على هذا الحب وبينَ عدم الرضا بسبب الظروف التي يعيشوها قررت أن تنهي هذه العلاقة العقيمة وأبلغته بذلك ، لم يتحمل واثق الصدمة وبدأت عيناه تلتمعان كأنها مرآة زجاجية تحتَ أشعة الشمس وأصابه الحزن وتفجرت أحاسيسه ووهنَ جسمه مباشرةً كأنه معلول منذ سنين . عاودَ الاتصالَ بها وأتفقا من جديد أن يعيشا هذا الحب ظمن الاطر المعقولة لكنهما لا زالا يبحثان عن الاطار الشرعي لذلك .
    - واثق : أكتفي بنظرات عينيكِ وأبتسامة شفَتيكِ حتى يقرر القدر مصيرنا .
    - كوثر : أنا أسعى للخلاص من زوجي أما طلاقاً أو هجراً أو موتاً .
    واثق : أن توفيَّ زوجكِ سأتقدم لكِ خاطباً وأتوج حبنــــا بالزواج 0 ضحكت كوثر كثيراً ماذا بكَ يا واثـــــــــق ان ظروفـــــي العائلية لا تسمح لي بذلك ، دعنا على علاقتنا هذه أقدم لكَ الخدمة عندما تحتاج اليها وتقدم لي يد العون عندما أحتاج اليك .


    - واثق : أنا أريد أن أجمع حطام المرأة التي فيكِ لاصنع منكِ امرأة ملؤها الحب والحنان .
    - كوثر : أجمع أنقاض الرجل الذي فيكَ ورمم حياتكَ ، وستجدني طوع يديكَ اذا ما تغيرت ظروفي ، عندها سأضمكَ الى صدري وبين ذراعي حبيب عمر لاأفرط بهِ ، الى ذلكَ اليوم لاتحرمني من حبك وحنانك فكلي شوق اليك .




    2006

























    بسم الله الرحمن الرحيم



    المجموعة الثالثة



    الهـــدف














    الاهــداء



    . الى القراء الاعزاء

    . الى كل الرجال والنساء

    . الى حملة الاقلام والبنادق ضد الأعداء

    . الى كل الذين سقطوا مضرجي الدماء من الشهداء
    وليد زيدان اللهيبي







    المقدمة


    اذا كانَ للبندقية وقع في تحطيم الصمت ومقاتلــــة الأعداء المحتلين لوطني ، فأنَ للقلم وقعٌ آخر يمزق صمتَ الصامتون ويثير عزيمة الأبطال لمقاتلة أعداء العراق ومحتليه والساعين لخرابه وطمس معالم الأسلام فيه .

    فالشعب لا يعرف الهوان وهو يقاتل بكل الوسائــــــــل ، مقاومون بالسلاح ومقاومون بالأقلام ، فأنَ للبنـــــــادق والأقلام رصاصات لايجيد أطلاقها الا المجاهـــــــــــدون الحقيقيون ولاتصيب رصاصاتها مقتل الأعداء الا مــــن أيديهم .

    فسلمت زنودهم وسلمَ السلاح بأيديهم وسَلِمَ القلـــــــم الذي بين أناملهم . قاتلوهم أيها النشامى قاتلوهم أيها الرابضون في خنادق الحق وخنادق الكـــــــــــلام وما مجموعتي القصصية هذه وهي الثالثة خلال ســـنوات الأحتلال الا على هذا الدرب وسوف لن تهدأ نيـــــران الكلام ورصاص الأقلام حتى يخرج المحتل مذعــــوراً مهزوماً .


    والله الموفق .




    الطبيعة


    في جو مشحون بالعشق الأبدي للطبيعة وبما توفره من حياة ومتعة منقطعة النظير ، كان يرتمي في احضان الطبيعة وكأنه في حضن حبيبته التي غابَ عنها طويلاً ، كانَ حين يشده الشوق الى البساطة والجمال والسحر يجد نفسه بشكل لا ارادي أنه في نزهة وأين في كنف الطبيعة التي أُغرمَ بها أيَ غرام وعشقها أيَ عشق ، ما الذي كانَ يشده اليها شداً ويدفعه اليها دفعاً . هل هيَ الفطرة أم الحب أم الهوس بالطبيعة وأيةَ بقعة منها تشد الرجل اليها ، كانَ اذا أصابه الهم والاسى وداهمَ قلبه الحزن وسالت دموعه أنهاراً على خديهِ لايجد الراحة أبداً الا في حظن الطبيعة الدافيء مكانه المعهود ليجد ضالته هناك ويخفف منه الحزن والالم ويوقف جريان الدموع . هل كان صاحبنا من أنصار الطبيعة والمؤيدين لاحزاب الخضر الداعين لحمايتها ، أم كانَ عاشقاً حد التوحد للطبيعة وكأنه جزء منها .
    كانت اسرته تفتقده بأستمرار وتبحث عنه في كل مرة يختفي فيها ، خرجت زوجته تنادي أمجد ... أمجد اينَ انتَ يا أمجد ... وتعالى صوتها ولا أحد يجيب . كانت العائلة تسكن قربَ تل مرتفع تحيطه الخضرة من كل جانب والازهار الطبيعية بألوانها الزاهية حتى أنكَ حينَ تنظر الى تلكَ التلة كأنكَ تنظر الى سجادة من الحجم الكبير ، أسفل التلة هذه يوجد مجرى نهر كبير تحتضن جرفيه أشجار كثيفة تسمع حفيف أوراقها كلما داعبتها الرياح ، كما وتسمع صوت جريان الماء وزقزقة العصافير وتستمر الزوجة تنادي على زوجها أمجد وهيَ تقطع المسافة بأتجاه التل ، تنظر يميناً ويساراً عسى تجد زوجها وكانت حينَ تحث الخطى سيراً وهيَ تبحث عن زوجها ، تشعر بجمال الطبيعة وسحر الوانها ودفىء نسائمها فتهدأ نفسها وتشعر بتوحد عجيب بينَ ذاتها والطبيعة . قررت الاستمرار بالبحث عن زوجها وتصل الى التلة ذاتها فتتسلقها وتجد أمجد في الجهة الثانية من التلة ينظر الى النهر وهو في حالة غيبوبة لا مثيل لها .
    - الزوجة : أمجد أنت هنا ماذا بكَ يارجل ، أتفزعنا بغيبتكَ هذه ما الذي جرى .
    وهيَّ مستمرة بالسير بأتجاهه نظرَ اليها أمجد نظرة بائسة كأنه يشفق عليها ويدير رأسه عنها ليواصل نظره الى الطبيعة الخلابة أمامه . تصل اليه زوجته تجلس بجانبه وتضع يدها على كتفه وتسحبه اليها ليكون أكثر قرباً منها . تقول له زوجته بصوت خافت حنين ماذا بكَ يا أمجد أيها الزوج العزيز .
    أمجد : ما زلتِ تسألين ماذا بيَّ وتلحين بالسؤال .
    الزوجة : بلى يازوجي راحتكَ من راحتي وهدوء نفسكَ هدوء لعائلتنا ليسَ لنا أحد غيرك في هذا الزمن الصعب

    - أمجد : تقولين الزمن الصعب وتسألين ماذا بكَ يازوجي .
    - الزوجة : أراكَ ترتمي بحظن الطبيعة ويكاد ذلكَ يتكرر بأستمرار.
    يصمت أمجد كأنه يتعمد عدم الاجابة عن ســــــــؤالها لا لسبب ، وانما لايريد لها أن تصاب بعدم الأطمئنان علـى مستقبلها ومستقبل العائلة أيضاً . يمد يده اليها ويمسـك بيدها ويشعر بحرارة الدم الجاري بجسدها ، يسير معها هبوطاً من التلة الترابية ذات الرداء الاخضر العشــــبـي المطرز بالورود الزاهية وبالالوان الجميلة حتى يصـــلا الى جرف النهر ويمضي بها باتجاه داره حيث العائـلة ، ومعَ كل خطوة من خطواتها تبتعد التلة منهم قليلاً ومـعَ كل خطوة من خطواتهما يقترب الدار أمام ناظريهمـــــــا ومعَ كل خطوة من خطواتهما تزداد لدى الزوجة فرصـة طرح سؤالها لمعرفة السبب الذي جعلَ زوجها يرتمــــي بأحضان الطبيعة وكأنَ لسان حالها يقول لِمَ لم يرتمــــي بأحضاني أنا الحبيبة والزوجة ويبث لي همومـــــــــــــه وشكواه لأخفف عنه مابه من الم وحزن



    .

    وتستمر الخطى حثيثة بأتجاه المنزل وتستمر الهواجس لدى الزوجة حيث كانت تسترق النظر الى زوجها علها تجد تفسيراً لذلك . شعرَ الزوج بحراجة موقف زوجته وقلقها الدائم للحصول على جواب سؤالها . أعادت الزوجة السؤال على زوجها بألحاح كبير .
    - الزوجة : لم أعد أطيق صمتاً أجبني يازوجي على سؤالي .
    - أمجد : في الزمن الصعب الذي تتحدثين عنه ماذا تتوقعينَ مني ، اني أواجه ضغطاً نفسياً وحالة من عدم الاطمئنان والاستقرار والسبب في ذلك هو الاحتلال فقد غزت بلادي قوى الكفر والظلالة .
    - الزوجة : وما السبيل للخروج من ذلك .
    - أمجد : أنا ألجأ الى المكان الذي وجدتيني فيه حيث الهواء النقي والجو الهادىء والطبيعة الجميلة أفكر في مخرج لأزمتنا .... الحل يازوجتي هو بالعودة الى الله خالق الكون والطبيعة .
    - الزوجة : لم أفهمك بعد يازوجي .
    - أمجد : علينا أن نعمل بأوامر الله سبحانه وتعالى نصبر ونصمد ونقاتل حتى نطرد الغزاة .
    - الزوجة : الآن فهمت لماذا تتوحد مع الطبيعة فوق التلة ، كنت تناجي ربكَ ليرشدكَ الى الطريق السديد بعدَ أن تهدأ نفسك وتذهب همومك .
    - أمجد : العراق أمانة بأيدينا ان فقدناه لا عراق آخر يأوينا .

    سمعت الزوجة هذه الجملة فشعرت بأنَ أهل العراق وشعب العراق وأرض العراق بخير وأنَ ساعة التحرير قريبة بأذن الله ورددت مع نفسها كم كنت قاسية على زوجي ... كم أنا قاسية .


    2006





















    المــزواج
    في احدى القرىالقريبة من بغداد حيثُ أجواء الريف العراقي الزاهر ، الاشجار الباسقة وسواقي الماء والانهر الصغيرة ومجاميع الحيوانات التي يربيها الفلاحين ، وحيث الألفة والطيبة وروح التسامح والتعاون بين أبناء القرى العراقية اضافة الى النخوة والشهامة .
    كان هناك رجل قروي يمتلك تلك المواصفات اضافة الى خصلة فيه رغم مافيها من الحفاض على العائلة وحمايتها الا أنها لاتخلوا من السلبية أيضاً ألا وهيَّ الشك . هذا الشك بلغَ مرحلة متقدمة في ذاكرته ووصلَ بها الى اعلى المراحل حتى كانت وبالاً عليه . ظهرَ ذلك من خلال زواجه وكثرة طلاقه لزوجاته ، كانَ حذراً من العلاقات الزائدة ويخشى الاندماج في علاقات مفتوحة معَ جيرانه وهم أبناء عمومته ومعارفه . فحينَ تزوج الاولى لم يرزق منها ولداً ، وبنت رغم مرور السنين فطلقها والتمس له أهل القرية العذر . أما الثانية والثالثة والرابعة فلم يدوم زواجه بهنَّ طويلاً فترات قصيرة وبدأ الشك ينخر علاقاته الأسرية . وبالمناسبة فهو لم يجمع زوجتين على ذمته يوماً . كانَ يطلق ويتزوج وهذا هو حاله دوماً يطلق زوجته لمجرد الشك

    يالهذه الآفة اللعينة كيفَ سيطرت على كيان الرجل ، يطلق لمجرد كلمة من زوجته معَ أحد معارفه ويطلق لمجرد ابتسامة لشخص أثناء الحديث معه أثناء زيارة معارفه ... أ يعقل هذا .. !

    - قالَ شيخ القرية لنعود الى شخصية الرجل نحاول الغوص في أعماقه ونرصد تصرفاته وسلوكه لنعرف حقيقة الرجل .
    - قالَ أحد الأشخاص : أنه لا يتحمل وقوف الذبابة على أنفه بل يتشاجر لاتفه الاسباب .
    - قالَ الآخر : كأنه ولدَ في رحم الشك والمشاكل .
    - قالَ ثالث : رغم ذلك فهو يمتلك طيبة قلب لا مثيلَ لها وتذرف دموعه بسرعة اذا أصابَ أحد مكروه وهو رجل مزوار ( يكثر من زيارة الأقارب ) .
    - قالَ شيخ القرية : حقيقةوقفت أمام هذه الشخصية حائراً رغمَ مساوئه فهو يحمل من الطيبة الشيء الكثير .
    نعم أنه بشر يحمل صفات الخير والشر وعيبه الوحيد الشك . هذا المرض الذي حطمَ شخصية الرجل ولم يبني أسرة رغم أنه تزوجَ أربعة نساء لم ينجب منهن أبداً ، بدأ الرجل يخشى أن ينقطع ذكره من بعده .
    ان الحفاظ على الشرف وسمعة العائلة شيء مهم جداً يحمد عليه هذا الرجل بشرط الا يفرط بهِ كثيراً ويتحول

    الى شك مقيت قاتل كما هو عليه فما الذي دَفعهُ لذلك ، هذا ما لم تعرفه من خلال المحيطين به لكن يقيني أنه تأثربكثير من المشاكل التي سمعها اثناء قدومه الى


    المدينة حيثُ كانَ في تلك الفترة كثير التردد على العاصمة . وبسبب الثارات العشائرية كانَ لزاماً عليه أن يقتل من هدر دم عزيز عليه ، اتفقَ ذات يوم مع أحد معارفه أن يقتل المدعو حمد ، وفعلاً ذاتَ

    مساء سارا معاً قربَ أحد البساتين ووجدا حمداً هذا وسار معهم مطمئناً الا أن سعيد صاحبنا المزواج تأخرَ في مشيته قليلاً حيثُ أصبحَ الهدف أمامه تماماً ، مسكَ بندقيته وصوبها الى ظهر الرجل وماهيَّ الابرهة من زمن فأطلق الرصاصة لتصيب حمد بمقتل . وتركوه جثة هامدة .
    وتمر الأيام سريعاً وتمر السنة الأولى وبعدها ىبأشهر يشاء الله سبحانه وتعالى أن يتزوج سعيد هذا المرأة التي قتلَ هو زوجها ويستقر معها في زواج هادىء وتسير أيامه بخير لم يعهده الناس منه ابداً ومعَ استقرارزواجه هذا رزقه الله بطفل أسماه زيد ولم يرزق بغيره أبداً وكبرَ زيد وأصبحَ رجلاً يعتمد عليه يعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى ، توفيت والدته وبقى زيداً يهتم بوالده ويصرف عليه حتى وفاته واستمرت شجرة العائلة واستمرَ ذكر سعيد ولم ينقطع الى يومنا هذا . رحمَ الله الرجل المزواج ولعنة الله على الشك ... ألا لعنة الله على الشك . 2006







    المحرضة

    في جانب الكرخ من بغداد وفي أحد الاحياء الشعبية الممتلئة بالطيبة والاصالة والالتزام تشم وانتَ تدخل هذا الحي رائحة الاخلاص والوفاء والتعاون بين سكانه ، كما وتبصر عيناكَ البيوت البغدادية القديمة بطابعها المعماري الجميل وأزقتها المتقاربة المتداخلة ترى أيضاً شناشيلها باقية شاخصة ليومنا هذا فتشعر بارتياح كبير وتهدأ نفسك بشكل غريب كأنكَ وانتَ تدخل هذا الحي تعرفه منذ زمن بعيد وقد تكون هذه زيارتكَ الاولى له ، كما وتشعر بألفة بالغة مع سكان الحي وكأنكَ تعرفهم منذ زمن بعيد ، في هذا الحي البغدادي الجميل تسكن عائلة بغدادية بسيطة في حياتها ، فقيرة حد الجوع أسرة معدمة بسبب الظروف الصعبة التي مَرَ بها العراق أبعد ما تتمناه من متطلبات الحياة هوَ توفير لقمة اليوم التي تعيشه تتكون هذه العائلة من أم أرملة متسلطة تسيطر على شؤون عائلتها بشكل غريب ، ومن أبنة شابة جميلة مؤدبة ذات قوام رائع تشد من ينظر اليها وهيّ لاتمتلك ارادة نفسها وذات شخصية مهزوزة ظعيفة تسيرها أمها كما تشاء . ذات يوم ومن المصادفة أن تتعرف الفتاة الى شاب من أبناء محلتها عن طريق الهاتف هذا الشاب خلوق مؤدب يعرف الله حق معرفته ومن عائلة محافظة ترعى شؤونها بخشية الله ويشكل الجانب الانساني في علاقتهم مع الجيران أهم الركائز . كانوا كأسرة مركز استقطاب لجميع الجيران يقدمون المساعدة لمن يحتاج اليها ويعطون المشورة الصادقة لمن يريد .
    تكررت الاتصالات الهاتفية بين الشاب والفتاة بعيداً عن انظار أسرتيهما ويأخذها الحديث الى الشوق والحنان فترتمي الفتاة في أعماق قلب الشاب ويرتمي الشاب في قلب محبوبته أيضاً . وبين مكالمات هاتفية خلسة وبين لقاءآت سريعة في الحي الذي يسكنوه تتجسد العلاقة بينهما وتتوطد الى أبعد حد ممكن هو تداعبه لهفة الشوق والحب لاحتضان حبيبته وهي يأخذها حبها بل عشقها للشاب الى الارتماء بين يديه ليلف جسميهما المتلاصقين رداء النشوة والرغبة الجامحة لعناق المحبين فهل من سبيل ؟

    يمتنع الشاب عن فعل ذلك بحكم سلوكه القويم وتربيته السليمة ، أما هيَّ فلم تستطيع التحمل أكثر لهذا البعد عن حبيبها فماذا تفعل ؟
    - الفتاة : أمي أنا أرتبط بعلاقة حب مع شاب من أبناء الحي .
    - الأُم : كيف فعلتِ ذلك يا أبنتي .
    وبدأت الفتاة تشرح لها كيفَ بدأت العلاقة بينهما والام تسمع كل التفاصيل برغبة عارمة وشهوة لايحدها حدود وتردد معَ نفسها لقد سنحت لي الفرصة الآن لكسب المال . فتاة تشرح لأمها نيتها للزواج من هذا الشاب وأُم تفكر في الجانب المادي وكأنَ أبنتها سلعة تباع وتشترى . تصرفت الام بشكل غير مألوف لدى العوائل العراقية ، فقد ذهبت الى أهل هذا الشاب وبعدَ ضيافتها شرحت لعائلته ظروف العلاقة بين الشاب والفتاة وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، قالت أنَ أبنتي يتيمة الأب وفقيرة الحال وهيَّ ربة بيت جيدة وذرَفت دموع التماسيح وطلبت منهم أن يتزوجها أبنهم ، ذرفتها لأجل أن يوافقوا على هذا الزواج . وتقديراً للظروف ولكون عائلة الشاب يشكل عندها البعد الأنساني حيز كبير في التعامل معَ الآخرين وافقوا على طلب والدة الفتاة . تمت اجراءآت الخطبة وعقد القران وتحديد صداق الفتاة الحاضر والمؤجل لمدة ثلاثة أشهر بعدها تزوجا على بركة الله ، قامت عائلة الزوج برعاية زوجة أبنهم رعاية خاصة وتوفير كل متطلبات الراحة لها . أم الفتاة تمارس كل ألاعيبها وتفرغ كل خبثها وتحشد كل طاقات الشر الكامنة فيها من أجل تدمير عش الزوجية الجميل لأبنتها وزوجها وهما العاشقان اللذان كللا حبهما بالزواج . بدأت أم الفتاة ببث سمومها الى مسامع أبنتها عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر تطلب من أبنتها ترك زوجها وأخذ كل مصوغاتها الذهبية ، وتبقى الأم تضرب بمطرق الشر هذا على مسامع الفتاة . وبعد عشرة أيام من الزواج تطلب الفتاة من زوجها الذهاب الى والدتها كونها مريضة وترغب بزيارتها فيأذن لها بذلك ، جمعت الفتاة مصوغاتها الذهبية وتوجهت الى دار أمها وهناك طابَ لها المقام مع والدتها التي تطلب منها الطلاق وأستحصال الصداق المؤجل من زوجها ، الفتاة ذات شخصية ضعيفة مهزوزة تسيرها الأم كما تشاء والأم متسلطة خبيثة بدلاً من توجيه أبنتها للتمسك بزوجها وبناء عش الزوجية على الأسس الصحيحة على عكس ذلك تحرضها على الطلاق ابتغاء كسب المال مستغلة القانون الذي يبيح لها ذلك كما تعتقد . وتساير الفتاة الأم بذلك ، هذه العائلة لا رادعَ لها الأب متوفي ولا عمام للفتاة والأم تفعل ما تشاء بحياة ابنتها . تقيم دعوى الطلاق وتدعي بأنَ زوج أبنتها مريض نفسياً وتطالب بالطلاق . وبسبب ظروف الأنفلات الأمني في البلد ولسهولة شراء الذمم لقتل أي أنسان شئت وبأي ثمن بدأت والدة الفتاة تهدد زوج أبنتها وعائلته بالقتل والاستفزاز والاستغلال الجشع تارةً أخرى لكي تحصل على المال من صداق ابنتها ، أُم لايهمها سعادة ابنتها بقدر ما يهمها المتاجرة وكسب المال . فهل ستعيد أم الفتاة الكرة مرة ثانية بعدَ طلاق أبنتها وتزوجها لأنسان آخر ويعاد نفس الأسلوب للمتاجرة . أنَ الأم لن تمارس هذا الاسلوب من التجارة البخسة الا بعدَ أن تاجرت هيَ بجسدها ومفاتنها لمن يدفع لها المال وأستسهلت هذا الطريق الغير شرعي للكسب الغير المشروع وكسب المال مستغلة القانون الذي يفرض على الزوج دفع صداق زوجته عند أحد الأجلين .



    تختلي الفتاة احياناً مع نفسها وتراجع حياتها معَ أمها ومعَ الشاب الذي أحبته وتزوجته فتشعر بالخجل مما يحدث وتشعر بالمرارة وتنسكب من عينيها دموع غزيرة على وجنتيها الذابلتين ، تراها الأم على هذا الحال فتؤنبها ولم تستطيع الفتاة صبراً فأنفجرت تصرخ بأمها أتحرضيني على هدم سعادتي وتحطيم عش الزوجية ممن أحببت من أجل المال وتجهش الفتاة بالبكاء ودموعها الساخنة تنهمر على وجنتيها وتبلل لها الثياب .

    2006

    -
    - .




















    الهـــدف



    في وم شتائي وفي ليلة مظلمة بل حالكة الظلام حيثُ لايحطم لونَ سوادها الا البرق في عمق السماء وصوت الرعد المنبعث منه يختلف من حيثُ شدته وسرعة صوته من حالة الى اخرى ، بحيث أختلطَ هذا الصوت مع صوت الطائرات المغيرة على بغداد العز والمجد وتداخلت أصوات البرق معَ أزيز الرصاص وصوت أنفجار الصواريخ والقنابل ، دوي هنا ودوي هناك ولهيب النار يعم المكان بعدَ كل أنفجار ليحيل الليلة الظلماء الى وهج مؤقت يعقبه تصاعد أعمدة الدخان من البارود المشتعل ومن حرائق البيوت والمنشآت الأخرى وتتداخل أعمدة الدخان الاسود معَ سحب السماء تداخلاً عجيباً غريباً لايمكن ليد فنان أن ترسم تداخلاته اللونية أبداً .
    في هذا الجو المشحون بالخوف والموت الجماعي تسمع صوت صافرات الانذار و