صباح الجميلي كتب:ليكن قلبك قنوعا تملك الدنيا
إذا ما كنت ذا قلبٍ قنوعٍ *** فأنت ومالكِ الدنيا سواءُ
نهض من فراشه فجرا تعبا يأن كما تأن مفاصله التي أثر بها برد الخريف على الرغم من طيبه... وتناهى إلى سمعه صوت المؤذن من الجامع القريب يدعو لصلاة الفجر ... فتوضأ وصلى ... ثم خرج الى حديقة الدار ملتفحا بردائه وتهالك على كرسي في الحديقة ثم أخذ يتأمل انطلاقة يوم جديد يمضي من عمر الإنسان...مصغيا الى زقزقة العصافير وحفيف الأغصان من حوله يحركها نسيم الصباح ... كلها تسبح لله سبحانه وتعالى ... ثم ذهب بتأملاته بعيدا الى سنينه الماضية، وكيف كان الناس متحابين فيما بينهم صادقين وافين للعهود حافظين حقوق الله ... وكيف أصبح أكثرهم اليوم !!! لا أريد أن أقول سوى أنهم على النقيض من ذلك ...ولكن ما الذي تغير في هذه الدنيا ... لا شيء ...فهي كما خلقها الله تعالى جميلة معطاء ولكن الذي تغير هو حال الناس حيث تغلب عليهم الطمع وألهاهم التكاثر وحب المال ، يجمعونه بكل وسيلة وطريقة حتى وإن كانت غير مشروعة فترى من ملك المائة ينظر الى الذي عنده مائتين وإذا ملك الألف فعينه على الذي ملك ألفان ، يلهث وراء المال يخدع ويقسم كذبا ويغش ... المهم كيف يضيف دينارا آخر الى ما يكنز من دنانير ناسيا حقوق الله ... وماله هذا لا ينفع به نفسه ولا أهله في دنياه ولن يشفع عنه في آخرته ....
وهو في تأملاته هذه أخذ يردد الحديث القدسي والذي بلغه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
((يا ابن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب وقسمت لك رزقك فلا تتعب .. فإن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا ، وإن لم ترضى فبعزني وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البراري ولا تنال إلا ما قسمته لك وكنت عندي مذموما))
والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه العزيز ...
((واسعوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور))
صدق الله العظيم
إن السعي لكسب الرزق الحلال عبادة وجهاد للحصول على عيش كريم تظلله القناعة بما يرزقه الله ويسعى لتحسين حاله وأهله ... يصل الرحم ويطعم اليتامى والمساكين ولكن بما يحب الله ويرضاه وليس بالغش والخداع ..
القناعة ونبذ الطمع والجشع صفة الإنسان السوي ... فهل انتهى الإنسان السوي من هذه الدنيا... بالطبع لا فلا يزال بها الخير... القناعة ونبذ الطمع والجشع صفة لو امتلكها الإنسان فالحق الحق أقول لأصبح حاله حال مالك الملايين فأولا وآخرا هي لقمة العيش التي تشبع لتستمر الحياة وليست التي تتخم وتمرض المرء فكم من امرئ مسكين نقل الى المستشفى يتضور ألما من الجوع وكم من امرئ غني نقل الى المستشفى يتضور ألما من التخمة...
ثم مرت أمام عينيه ذكريات سنينه الماضية فحمد الله وشكره على ما اعطاه وبارك له وجعله قانعا صابرا مجاهدا في هذه الدنيا ...
وهو في تأملاته هذه انتبه على ربت خفيف على كتفه وصوت دافئ حنون يقول له ...صباح الخير أيها الشيخ الغارق في تأملاته ... كانت زوجته تدعوه إلى طعام الفطور ... قم إلى فطورك إنها الثامنة صباحا وعندك موعد عمل ... ما الذي كنت تفكر فيه ؟ فأجابها .. صباح الخير ... كنت أتأمل حال الدنيا كيف كانت وأهلها قانعون غير طامعين وكيف أصبحت الآن وأكثرهم جشعون وغير قانعين بما يرزقهم الله ....
أجابته مبتسمة قم واحمد الله الذي جعلنا من القانعين الصابرين ورحم الله الإمام الشافعي حين قال
إذا ما كنت ذا قلبٍ قنوعٍ *** فأنت ومالكِ الدنيا سواءُ
صباح الجميلي